دراسة ميدانية بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية – سرفونتاس – الجزائر العاصمة لأطفال ما بين 7 و11 سنة
The Temporal and Spatial Organization of the Dyslexic Child through the Rorschach Test
دراسة ميدانية بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية – سرفونتاس – الجزائر العاصمة للأطفال بين 7 و11 سنة.
إعداد:
مونية دراحي
نادية بداد
جامعة أبو القاسم سعد الله (الجزائر 2)
تاريخ الاستلام: 09/05/2021
تاريخ القبول: 12/12/2021
تاريخ النشر: 31/12/2021
الملخص
هدفت الدراسة إلى الكشف عن العلاقة بين التنظيم الزماني المكاني، وعسر القراءة عند الطفل من خلال اختبار الرورشاخ، ولتحقيق ذلك اعتمدنا على المنهج العيادي، وقمنا بإجراء المقابلة العيادية وتطبيق الرورشاخ على (4) أطفال عسيري القراءة.
وخلصت الدراسة إلى النتائج التالية: حالة واحدة كشفت عن وجود العلاقة بين عسر القراءة والتنظيم الزماني المكاني، بينما باقي الحالات لم تكشف عن هذه العلاقة، حيث استخلصنا أنه كلما انتقل الطفل عسير القراءة في مراحل النمو ومن مستوى تعليمي إلى آخر نقصت أو اختفت هذه العلاقة، وهذا الأمر أوصلنا إلى نتيجة مفادها أن التنظيم الزماني المكاني هو عرضي وليس مسبباً لعسر القراءة.
الكلمات المفتاحية: التنظيم الزماني، التنظيم المكاني، القراءة، عسر القراءة، اختبار الرورشاخ.
Abstract
The study aimed to detect the relationship between spatio-temporal organization and reading difficulties in children through the Rorschach test.
For this purpose, we relied on the clinical approach, conducted a clinical interview, and applied the Rorschach test to four children experiencing reading difficulties.
The study resulted in the following findings: one case revealed a relationship between reading difficulties and spatio-temporal organization, while the other cases did not reveal such a relationship. The more the child moved from one educational level to another, the more this relationship decreased and disappeared.
This led us to conclude that spatio-temporal organization is incidental rather than causative of reading difficulties.
Keywords: temporal organization; spatial organization; reading; dyslexia; Rorschach test.
1. مقدمة وإشكالية
رغم التطورات الهامة التي شهدها العالم في العشرية الأخيرة، وفي جميع المجالات العلمية، إلا أن الأبحاث بقيت عاجزة عن تفسير الكثير من الظواهر الإنسانية التي تعد جد معقدة ومتشابكة، حيث تكمن أهميتها عندما تمس الطفل الذي يمثل نهضة المجتمع.
حين يعاني الطفل من اضطراب يعرقل مسار حياته ومشواره العلمي، كاضطرابات صعوبات التعلم التي تعتبر علامة استفهام كبيرة وقفت عندها الكثير من الأبحاث، وخاصة تلك المهتمة بعلم نفس الطفل في المجال الدراسي.
كان “صموئيل كيرك” (Kirk Samuel) أول من أشار إلى مصطلح صعوبات التعلم عام 1962، والذي أكد على أن هذا المفهوم يشير إلى التأخر أو الاضطراب في واحدة أو أكثر من العمليات الخاصة بالكلام، اللغة، الكتابة، الحساب أو في مواد دراسية أخرى، نتيجة إمكانية وجود خلل دماغي أو اضطرابات انفعالية سلوكية، كما لا يرجع التأخر الأكاديمي إلى تخلف عقلي أو حرمان حسي أو إلى عوامل ثقافية أو تعليمية.
فلا يمكننا التكلم عن صعوبات التعلم خارج اللغة التي تعد وسيلة اتصال مهمة، فأي خلل فيها سواء كانت مكتوبة أو منطوقة أو مقروءة ما يعرف بعسر القراءة، الذي يعتبر من أهم العراقيل التي تمنع الطفل من مواصلة مساره الدراسي، وذلك ما يخلف أضراراً وخيمة على مستوى الفرد والمجتمع وكذلك المؤسسة التعليمية ككل.
في بداية البحث عن أسباب هذا الاضطراب، كان الظن الغالب هو أن سبب عسر القراءة عضوي، فظهرت عدة نظريات للبحث عن السبب الحقيقي وراء هذا الاضطراب، لكن سرعان ما سقطت كل الفرضيات العضوية والوراثية عندما اكتشف العلماء أن الطفل عسير القراءة لا يعاني من أي خلل عضوي، بل على العكس فهو طفل سليم وعادي حتى في ذكائه. وهذا ما دفع بعض العلماء إلى البحث أكثر حول السبب الخفي وراء هذا الاضطراب.
ويرى الكثير منهم أن أصل هذه الصعوبة التي يواجهها الطفل في القراءة يعود إلى عدم اكتساب بعض المفاهيم المجردة، منها مفهوم المكان والزمان، وهذا ما دفع علوم كثيرة إلى النظر في مسألة القراءة وفي مقدمتها سيكولوجية اللغة.
إذا نظرنا إلى الطفل عسير القراءة، فإننا نلاحظ أن التنظيم المكاني والزماني يظهر من خلال القراءة في تعامله مع الحروف أو الكلمة بحد ذاتها، فهو يستغرق وقتاً كبيراً حيث إنه يدرك الكلمة، ثم يقوم بتفكيكها إلى أجزاء وهي الحروف، ليقوم بعملية إدراك هذه الأخيرة ثم إعادة تركيبها، ليحاول في كل مرة بناء صيغة للموضوع على صفة التماثل.
وهذا ما يأخذ طابعاً تنظيمياً مكانياً وزمانياً خاصاً، فهو يبحث في التفاصيل لكن بصعوبة في دمج هذه الأجزاء، وعلى هذا الأساس تصبح الميزة الخاصة التي ينفرد بها الطفل عسير القراءة من حيث التنظيم المكاني والزماني، واستغلالها في محاولة تجزئة وتركيب عملية القراءة عنده معقدة، تتميز بخصوصية تختلف عن الطفل الذي لا يجد أي صعوبة في التعامل مع الكلمة وقراءتها بكل سهولة وبصورة سليمة.
كما كشفت الإحصائيات والدراسات التي أقيمت في الدول العربية أن نسبة انتشار صعوبات القراءة في تزايد، حيث ذكر الزيات أن عسر القراءة تشكل نسبة كبيرة من الحالات الشائعة بين الأطفال ذوي صعوبات التعلم تصل إلى 80% (الزيات، 1998).
وفي السعودية وصلت إلى 20.6% سنة 1989 من الأطفال الذين يعانون من صعوبات القراءة، وفي دراسة أخرى أجريت في مصر سنة 1993 خلصت إلى أن نسبة هؤلاء قدرت بـ16.5%.
بالمقابل، هناك دراسات أجنبية عديدة، نذكر منها الدراسة الكندية التي قامت بها “الجمعية الكيبكية لصعوبات التعلم” AQETA، أكدت فيها أن نسبة التلاميذ الذين يعانون من صعوبات القراءة في كندا تراوحت من 11.8% إلى 15.6% في الفترة ما بين 2001 إلى 2006.
وفي فرنسا فإن نسبة الانتشار تتراوح ما بين 4% إلى 5%.
أما في الجزائر فلا توجد دراسات دقيقة تناولت الظاهرة ميدانياً، ما عدا بعض المحاولات التي أنجزتها مديرية التعليم الأساسي بدعم من برنامج التعاون المبرم بين وزارة التربية الوطنية ومنظمة UNICEF في الفترة ما بين 2003/2006، والذي كان الهدف منه إعداد دليل يساعد المعلم على اكتشاف صعوبات التعلم ومعالجتها.
هناك دراسات عديدة أقيمت على الطفل عسير القراءة، خلصت إلى أن هذا الأخير يجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع المحيط المدرسي، نظراً للمشكلة التي يعانيها الطفل منها على مستوى النمو اللغوي.
هذا النمو الذي ينقسم إلى لغة لفظية يكتسبها منذ الولادة من خلال المحيط، ولغة مكتوبة تحتاج إلى مساعدة حتى يصبح الطفل قادراً على إتقانها.
ومن المعروف أن المدرسة تقوم بالدور الكبير في تعليم الطفل المبادئ الأولية للقراءة، لكن رغم ما يبذله هذا الأخير من جهد ورغم استعداده النفسي ورغبته في التعلم، إلا أن البعض من الأطفال يبقى عاجزاً تماماً عن تعلم القراءة، مما يؤثر سلباً عليهم من الناحية النفسية، لشعورهم المتكرر بالإحباط والفشل أمام أقرانهم من نفس السن بسبب عدم قدرتهم على القراءة السليمة.
في الحقيقة أرادت الكثير من النظريات أن تفسر هذه الظاهرة، منها النظرية الأداتية التي ترى أن اضطراب بعض المفاهيم الكيفية، منها مفهوما الزمان والمكان، له صلة وعلاقة ارتباطية بظهور عسر القراءة.
وقد اعتمدت هذه النظرية على مجموعة الأخطاء التي يرتكبها عسيرو القراءة أثناء عملية القراءة، والتي سميت بأعراض عسر القراءة، وتتمثل هذه الأخطاء في الخلط في اتجاه الحروف، والحذف، والتعويض.
ونظراً لكون “الاتجاه والتسلسل” يدخلان ضمن مفهومي الزمان والمكان، فإن عدم إدراك هذين المفهومين يؤدي إلى ظهور عسر القراءة.
ولقد استند هؤلاء العلماء، أمثال “بورال ميزوني” (Borel Maisonny)، على علاقة اللغة في تكوين هذين المفهومين، حيث توصلت الباحثة في إطار دراستها الخاصة بتحضير رسالة الماجستير إلى أن هناك علاقة وطيدة بين اللغة الملفوظة والمسموعة وبين ترسيخ هذين المفهومين.
كما أكدت الباحثة عياد مسعودة في أطروحة دكتوراه تناولتها في ميدان الأرطوفونيا بعنوان “الزمان والمكان وعلاقتهما بعسر القراءة”، بالإضافة إلى مقال لها نشر عام 2008، لجأت فيه إلى استعمال أداة صورة الحكاية، والتي اعتمدت على القصة بكونها تحتوي أحداثاً مكانية وزمانية.
وقد توصلت إلى نتائج مفادها وجود علاقة نسبية بين اضطراب مفهومي الزمان والمكان وعسر القراءة، مما يجعل المختص الأرطفوني الممارس لا يعتمد على إعادة تربية هذين المفهومين من أجل التخلص من عسر القراءة، لأن العلاقة بينهما ليست حتمية ولا مطلقة، وبالتالي لابد من البحث عن تقنيات أخرى تستهدف عسر القراءة لا أعراضه، كما أن هذه المشكلة تزول مع تقدم سن الطفل.
من خلال ما جاءت به الباحثة “بورال ميزوني” التي اعتبرت أن اللغة تساهم في تكوين هذين المفهومين (الزمان والمكان)، أي وجود علاقة بينهما واللغة هي المسؤولة عن تكوينهما وليس الخلل فيهما هو الذي يؤثر على عسر القراءة.
في حين تذهب الباحثة “عياد مسعودة” إلى تبيان وجود علاقة نسبية وغير حتمية، تزول بتقدم العمر.
من هنا يصبح موضوع عسر القراءة والتنظيم الزماني المكاني مشكلة تستحق الاهتمام والبحث، لذا سعت الدراسة الحالية لمعالجة هذا الموضوع من منطلق آخر باستخدام أداة للقياس تتمثل في اختبار الرورشاخ.
فبنية البقع وشكلها في هذا المقياس يساهمان في إثارة وتوزيع أنماط الإدراك، فهو يحتوي على البقع الملتحمة المنغلقة في اللوحات (V, VI, IV, I) والتي تشجع على الإجابات الشاملة، أي الإدراكات الكلية (G).
كما يحتوي على لوحات فيها بقع مجزأة (III, VIII, X) والتي تشجع على الإجابات الجزئية، أي الإدراك الجزئي (D).
فمن خلال هذه الخاصية لهذا الاختبار، نحاول الكشف عن العلاقة بين عسر القراءة والتنظيم الزماني المكاني، بحيث تصبح اللوحة بمثابة الورقة وبقعة الحبر في مكان الحروف والكلمة لكن بصفة مبهمة، وذلك وفق المادة المقترحة، وهي لوحات اختبار الرورشاخ.
وطبعاً نستغل عملية إدراك الطفل عسير القراءة للوحة، والتي تكون مشابهة لإدراكه أثناء القراءة، لنلاحظ كيفية قراءته للوحة كمكان، وكيف يكون أسلوبه الإدراكي كلياً أم جزئياً من حيث تناوله للعالم الخارجي، وأيضاً من خلال الزمن الذي يستغرقه في التكلم عن اللوحة.
ومن خلال نمط الإدراك، والذي نتوقع أن يكون جزئياً عند الطفل عسير القراءة، والزمن المستغرق في اختبار الرورشاخ والذي نتوقع أن يكون طويلاً، نستطيع تحديد إن كان هناك تأثير للتنظيم الزماني المكاني على عسر القراءة عند الطفل أم لا.
ومن هنا تم طرح التساؤلات التالية:
- هل يتميز التنظيم الزماني المكاني لدى الطفل عسير القراءة بنمط إدراك جزئي يدل على صعوبة إدماج الأجزاء في إطار تناول كلي في اختبار الرورشاخ؟
- هل يؤثر التنظيم الزماني المكاني على عسر القراءة عند الطفل من خلال اختبار الرورشاخ؟
- هل بإمكان الرورشاخ إعطاء قراءة وتفسير واضحين بخصوص عسر القراءة والتنظيم الزماني والمكاني عند الطفل؟
2. فرضيات الدراسة
- بإمكان الرورشاخ توضيح العلاقة بين عسر القراءة والتنظيم الزماني المكاني لدى الطفل الذي يعاني من عسر القراءة.
- توجد علاقة بين عسر القراءة والتنظيم الزماني المكاني عند الطفل عسير القراءة من خلال اختبار الرورشاخ.
- يتميز التنظيم الزماني المكاني لدى الطفل عسير القراءة بنمط إدراك جزئي يدل على صعوبة إدماج الأجزاء في وحدة كلية من خلال اختبار الرورشاخ.
3. أهداف الدراسة
- التعرف على أسباب عسر القراءة من خلال استخدام أداة منتشرة الاستعمال في علم النفس متمثلة في اختبار الرورشاخ.
- التعرف على التنظيم الزماني المكاني وعلاقته بعسر القراءة من خلال اختبار الرورشاخ.
- التعرف على النمط الإدراكي للطفل عسير القراءة وتحديده من حيث هو عرض أم سبب.
4. أهمية الدراسة
تكمن أهمية هذه الدراسة فيما يلي:
- رؤية من زاوية أخرى باستخدام اختبار الرورشاخ لأكثر الاضطرابات انتشاراً والمتمثلة في صعوبات التعلم الأكاديمية، وبالتحديد عسر القراءة.
- كما تستمد هذه الدراسة أهميتها في كونها تركز على شريحة مهمة في المجتمع وهو الطفل الذي يعد نواة التطور والمكسب الحقيقي للنهوض بالجانب التعليمي والعلمي.
5. التحديد الاصطلاحي والإجرائي لمفاهيم الدراسة
القراءة
تعتبر القراءة من أول وأهم المهارات التي يكتسبها المتعلم في السنوات الأولى من المدرسة والتي تؤثر في تعلم المواد الأخرى.
فهي عملية معقدة ومتداخلة، تسمح للفرد بالتواصل والتفاهم مع الآخرين، وفهم أفكارهم والاستجابة بطريقة صحيحة ومناسبة، وأي خلل أو صعوبة في القراءة يؤدي إلى ما يعرف بعسر القراءة.
عسر القراءة
يعتبر عسر القراءة تعطل القدرة على القراءة جهراً أو صمتاً أو فهم ما يقرأ، وليس لهذا التعطل صلة بأي عيب في النطق.
كما يعرف على أنه واحد من اضطرابات التعلم، ويعني عدم القدرة على الاستيعاب القرائي بما يتناسب والدرس، أو عدم القدرة على القراءة جزئياً أو كلياً.
إجرائياً: يخص الطفل الذي يبلغ من العمر 7 سنوات وما فوق ويعاني من عدم القدرة على القراءة وفهمها، إلى جانب العجز وعدم مقدرته على التحكم في رموز الكتابة واستيعابها بل وحتى استرجاعها على الرغم من ذكائه وسلامة حواسه.
اختبار الرورشاخ
يعد الرورشاخ اختباراً إسقاطياً، يهدف إلى دراسة الشخصية وتشخيصها على أساس عملية الإسقاط، صممه السيكاتري السويسري هرمان رورشاخ Hermann Rorschach سنة 1920.
يتكون هذا الاختبار من عشرة لوحات على كل منها “بقع حبر” مختلفة، الأشكال سوداء وأخرى متنوعة الألوان، ذات تناظر ثنائي الطرف، كما أن هذه اللوحات تشمل على فراغات بيضاء تتفاوت في العدد والمساحة من لوحة لأخرى.
التنظيم الزماني
قبل التطرق إلى التنظيم الزماني لابد من تعريفه.
تعريف الزمن
لقد تطرق العلماء لعدة مفاهيم مختلفة عن الزمن، والتي نتناول منها:
مفهوم الزمن عند أفلاطون: يذهب هذا الأخير إلى أن معنى الزمن يتصل بالمتحركات، وبالتالي فالزمن له بداية وبدايته العالم، وقد أدخل عنصرين مهمين هما البداية والنهاية.
مفهوم الزمن عند أرسطو: عمل على تحديد مفهوم الزمن في ثلاثة أبعاد وهي: الطبيعة، الحركة، والتطور.
تعريف التنظيم الزماني
هو ذلك السلوك الذي يسمح لنا بالتموقع بالنسبة لأحداث حسب تواريخ معينة، مثل الأيام، الفصول، الماضي والحاضر والمستقبل، البارحة واليوم والغد.
كما يعرف بأنه التغيرات المرحلية التي تحدث والعودة اللامتناهية لنفس التعاقبات التي تسمح بتحديد الزمن بالنسبة لمرحلة معينة، وإعطاء تكميم للزمن انطلاقاً من عدد المراحل الموجودة، كالسنوات مثلاً.
هذا التنظيم هو الذي يجعل الطفل قادراً على تقدير الزمن الذي يستغرقه في إنجاز عمل معين والوقت الذي تستغرقه عملية قراءة كلمة أو جملة.
إجرائياً: هي المدة الزمنية التي يستغرقها الطفل في إدراكه لبقعة الحبر في كل لوحة من اللوحات العشرة للاختبار.
التنظيم المكاني
قبل توضيح مفهوم ومعنى التنظيم المكاني نتطرق إلى مفهوم المكان.
تعريف المكان
حسب قاموس الأرطوفونيا، فإن المكان هو “ذلك الامتداد غير المحدود الذي يحتويه ويحيط بالموضوعات التي ندركها بواسطة حواسنا”.
ويرى ليبنيز (Leibniz) بأن المكان “هو مجموعة العلاقات بين الموضوعات، يكون كل واحد منها مصدراً للآخر، إنه المحيط أين نستطيع أن نحدد شيئاً ما”.
تعريف التنظيم المكاني
هو ذلك المفهوم الذي يسمح لنا بالتعرف على الاتجاهات: يمين ويسار، فوق وتحت ووسط، وإدراك الفضاء.
وهذا التنظيم هو الذي يسمح للطفل بتتبع الحروف وأسبقية الحرف على الآخر وتحديد الكلمات التي يقوم بقراءتها بتسلسل صحيح، وترتيب منطقي يجعل من الكلمة المقروءة ذات معنى.
إجرائياً: هو كل استجابات الطفل عسير القراءة تجاه اختبار الرورشاخ، والتي تحدد لنا كل نمط إدراكي جزئي كبير أو جزء صغير من الجزء الكبير، أي كل الاستجابات من نوع D وDd.
6. الإطار الميداني للدراسة
منهج الدراسة
المنهج العيادي
تتطلب مقتضيات البحث العلمي تحديد نوع المنهج المتبع، وذلك بغرض التوصل إلى نتائج موضوعية ودقيقة موثوق فيها، قابلة للتحليل والتفسير والتأويل.
وعلى هذا الأساس فالمنهج المناسب الذي اعتمدت عليه هذه الدراسة هو المنهج العيادي، لكونه يلائم طبيعة الموضوع من خلال التحليل النفسي لتصرفات والصراعات الحاضرة والماضية للطفل.
يعرف بيرون (Pieron) المنهج العيادي بأنه منهج يسعى لمعرفة طبيعة السير النفسي الخاص بكل فرد، بهدف تشكيل الحوادث السيكولوجية في بنية معرفية والتي يكون الفرد منبعاً لها.
أدوات الدراسة
المقابلة العيادية نصف الموجهة
تعد المقابلة محادثة تتم وجهاً لوجه بين العميل والأخصائي النفساني العيادي، غايتها العمل على حل المشكلات التي يواجهها هذا الأخير، والإسهام في تحقيق توافقه، ويتضمن ذلك التشخيص والعلاج.
كما تعتبر المقابلة العيادية وسيلة لجمع المعلومات في موقف وجه لوجه، أين تتدخل التبادلات الشفوية أو اللفظية والحركات والمشاعر، وهي محادثة تهدف إلى الحصول على أنواع من المعلومات، وتهدف إلى فهم مشكلة معينة، والإلمام بالأسباب التي أدت إلى بروز المشكلة وخطورتها.
لجأنا إلى المقابلة مع الطفل عسير القراءة بهدف تسجيل ملاحظات وجمع المعلومات من خلال التعامل المباشر مع الطفل، وملاحظته خلال عملية القراءة من أجل فهم الدينامية النفسية التي تسمح بفهم مضمون خطاب المفحوص، أي الطفل عسير القراءة، وكيفية تعامله مع الحروف من حيث إدراكها ونطقها، من حيث القلب والتعويض والحذف والإبدال، حتى نتمكن من تحديد خصوصية هذا الطفل في علاقته مع القراءة، سواء من حيث الوقت الذي يستغرقه أو من حيث العسر.
كما أجرينا المقابلة كذلك مع الأم بكونها الشخص الأقرب والمرافق الدائم للطفل من أجل جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الطفل عسير القراءة فيما يخص فترة الحمل والولادة والرضاعة والمشي والجلوس، وخاصة اكتساب اللغة بهدف التأكد من أن عسر القراءة لديه لا يرتبط بالتأخر في النمو النفسي.
اختبار الرورشاخ
يستعمل لدراسة الشخصية والجانب النفسي والعاطفي، ويكشف عن الاضطرابات النفسية والصعوبات مع تحديد الأنماط الإدراكية من خلال الاستغلال الزماني والمكاني التي تحويه اللوحات العشرة.
لقد وقع اختيارنا لهذا الاختبار لكونه يتميز بخصوصية تستدعي الإدراك كاستعارة للواقع الخارجي، كما يعطي حرية الإسقاط من خلال استدعاء الخيال للواقع الداخلي للمفحوص بتوظيف نفسي يسمح بإمكانية التسجيل الزمني.
كما تكمن خصوصية بقعة الحبر للاختبار في كونها غامضة، تعتبر فضاء للتفاعل من حيث يتحدث الطفل فيها للمختص عما يدرك ويعتقد ويتخيل فقط.
فحسب Kacero (2006)، فإن اختبار الرورشاخ يعتبر نوعاً من البطاقة الفضائية الزمنية تسمح للمفحوص بإسقاط كل الصراعات النفسية المعرفية بحرية، في مدة زمنية تتضمن التردد في الإجابة والصمت وقلب البطاقة.
7. حدود الدراسة
الإطار المكاني
تم إجراء الدراسة بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية المتعددة الخدمات – سرفونتاس – العناصر بالجزائر العاصمة، وهي مؤسسة تستقبل كافة الشرائح للفحص النفساني وخاصة الأطفال بمختلف الأعمار الذين يعانون من مشاكل مدرسية مختلفة منها صعوبات التعلم.
الإطار الزماني
امتدت مدة الدراسة من تاريخ 12/01/2015 إلى 15/06/2016، أي لمدة ستة أشهر.
مجموعة البحث
حجم وخصائص مجموعة البحث
تكونت الدراسة من (4) حالات أطفال يعانون من عسر القراءة، منهم (3) بنات وطفل واحد، تراوحت أعمارهم بين (7) سنوات إلى (11) سنة، ومن مستويات دراسية مختلفة: السنة الثانية والرابعة والخامسة ابتدائي.
خصائص الحالات
الحالة 1: 7 سنوات، أنثى، السنة الثانية ابتدائي، مستوى الذكاء 90 Q، صعوبة تركيب الحروف.
الحالة 2: 9 سنوات، أنثى، السنة الرابعة ابتدائي، مستوى الذكاء 100 Q، حذف الحروف.
الحالة 3: 11 سنة، ذكر، السنة الخامسة ابتدائي، مستوى الذكاء 120 Q، مشكلة التشكيل.
الحالة 4: 9 سنوات، أنثى، السنة الرابعة ابتدائي، مستوى الذكاء 95 Q، القلب والإبدال والحذف.
طريقة اختيار مجموعة البحث
بحكم الممارسة المهنية بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية – سرفونتاس – بالجزائر العاصمة، والتي تقتضي المتابعة النفسية لجميع الشرائح العمرية بمختلف حالاتهم التي تتقدم إلينا، وبكوننا نعمل كفريق متعدد التخصصات من أخصائي نفسي ومختص في الطب العقلي والأرطوفوني، اعتمدنا في اختيار مجموعة البحث على الأطفال الذين يعانون من عسر القراءة، والذين تم توجيههم لنا من طرف الأرطفوني بعد تشخيصه للاضطراب على أنهم يعانون من عسر القراءة.
وفي نفس الوقت تم التوجيه من طرف المعلم الذي لاحظ صعوبة هؤلاء الأطفال في القراءة، وبملاحظات الوالدين خاصة الأم التي اعتمدت في شكواها على الصعوبة التي يعانيها طفلها أثناء القراءة من خلال المقابلة التي أجريناها معها، والتي أكدت على ملاحظات الأستاذ بأن طفلها يعاني من صعوبة في القراءة.
وقد أخذنا بعين الاعتبار في اختيار هذه المجموعة شروطاً تمثلت فيما يلي:
السن: لكونه عنصراً مهماً في تشخيص اضطراب عسر القراءة، حيث لا يمكن الحكم على طفل أو تشخيصه بأنه يعاني من عسر القراءة قبل سبع سنوات.
الدراسة: لكي نستطيع تشخيص اضطراب عسر القراءة عند الطفل، فلا بد أن يكون الطفل مزاولاً للدراسة حتى نتمكن من تحديد أنه يعاني من صعوبة في القراءة أم لا.
التشخيص الأرطفوني: بالرغم من أن المختص العيادي والتربوي يمكن لهما تشخيص اضطراب عسر القراءة، إلا أننا في هذه الدراسة، كما أشرنا سابقاً، وبحكم عملنا ضمن فريق، اعتمدنا على تشخيص المختص الأرطوفوني بالنسبة لهؤلاء الأطفال.
الحالة الاجتماعية والاقتصادية
لا يعاني هؤلاء الأطفال من أي مشاكل عائلية يمكن أن تتدخل كعوامل تعرقل المسار الدراسي للطفل، كالطلاق أو وفاة أحد الوالدين أو الصراعات المتكررة بين الوالدين أو المشاكل الأسرية بمختلف أنواعها.
الحالة الصحية وسلامة الحواس
بحيث يكون هذا الطفل لا يعاني من أي مشاكل صحية مهما كانت ويتمتع بسلامة الحواس، والمقصود بالحواس هي كل حاسة مسؤولة عن عملية القراءة، كالبصر والسمع وأعضاء النطق، مثل اللسان والحنجرة والأحبال الصوتية.
الحالة العصبية والذهنية – الذكاء
إن الحالات التي اعتمدت عليها الدراسة، حسب المقابلة التي تمت مع الأم والمعلومات التي تم جمعها، تبين أن الحالة العصبية والذهنية لهؤلاء الأطفال سليمة.
كما بين ذلك التقرير المفصل المقدم من طرف المختص الأرطوفوني، الذي اعتمد عليه الباحثان، والذي أوضح أن هؤلاء الأطفال يعانون من عسر القراءة، إلى جانب الاطلاع على معامل الذكاء لكل طفل المتحصل عليه من خلال اختبار رسم الرجل، الذي طبقه المختص الأرطوفوني على هذه الحالات لتتم المتابعة النفسية.
8. عرض النتائج
تقديم وتحليل نتائج الفرضية الأولى
الفرضية: يتميز التنظيم الزماني المكاني لدى الطفل عسير القراءة بنمط إدراك جزئي يدل على صعوبة إدماج الأجزاء في وحدة كلية من خلال اختبار الرورشاخ.
نتائج استجابات اختبار الرورشاخ
| الحالة | نمط الإدراك الجزئي D | الإدراك الجزئي من جزء كبير Hd/Ad | زمن الكمون الكلي |
|---|---|---|---|
| الحالة 1 | D=30، D%=88 | Hd%=34%، Ad%=11% | 4.5 |
| الحالة 2 | D=05، D%=42 | Hd%=0%، Ad%=0% | 20.2 |
| الحالة 3 | D=04، D%=31 | Hd%=0%، Ad%=0% | 13.40 |
| الحالة 4 | D=23، D%=67 | Hd%=38%، Ad%=15% | 7.2 |
بالنسبة للفرضية الأولى، نجد أن هذه الفرضية تحققت فقط مع حالة واحدة، والتي كشفت عن تأثير التنظيم الزماني المكاني على عسر القراءة عند الطفل، أما باقي الحالات فلم تتحقق هذه الفرضية لأن نمط الإدراك لم يكن جزئياً.
ولهذا سنتناول كل حالة على حدة.
الحالة الأولى
تبلغ من العمر 7 سنوات وتدرس في السنة الثانية ابتدائي.
الملحوظ من خلال بروتوكول الرورشاخ أن هذه المبحوثة قدمت عدداً مهماً من الإجابات الجزئية، والمتمثلة في D=30، D%=88، كما أنها لم تستغرق وقتاً طويلاً قبل الإدلاء بالإجابات، حيث قدر زمن الكمون الكلي عندها بـ4.5، لكنها كانت تسجل زمناً طويلاً ملحوظاً قبل تسليم اللوحة، تمثل في زمن كمون اللوحة 10.42.
فمعظم الإجابات المقدمة في بروتوكول المبحوثة جاءت في مواقع جزئية، مقارنة بالإجابات الكلية التي قدرت بـG=03، G%=08، مع وجود نسبة إجابات متمثلة في إدراك جزء صغير من الجزء، متمثلة في إدراكات جزئية إنسانية Hd=12، Hd%=34%، وإدراكات جزئية حيوانية Ad=04، Ad%=11%.
هذا ما يدل على صعوبة إدماج الأجزاء في الكل، بالنظر إلى نوع عسر القراءة التي تعاني منه المبحوثة، وهي صعوبة تركيب الحرف في الكلمة مع الحذف.
وهنا يتبين لنا تحقق الفرضية الأولى للبحث التي مفادها أن التنظيم الزماني المكاني لدى الطفل عسير القراءة يتميز بنمط إدراك جزئي يدل على صعوبة إدماج الأجزاء في وحدة كلية من خلال اختبار الرورشاخ عند هذه الحالة.
إذ إن نمط إدراك اللوحات المفضل لديها يتمثل أكثر في المواقع الجزئية مع ميلها لتحليل والبحث عن التفاصيل، ويعد ذلك دفاعاً أمام عملية الإرصان العقلي للتصورات المقلقة.
عليه فإن عسر القراءة يرتبط ارتباطاً واضحاً بالتنظيم الزماني المكاني ويثبت تأثير هذا الأخير على عسر القراءة.
الحالة الثانية
تبلغ من العمر 9 سنوات وتدرس في السنة الرابعة ابتدائي.
بالنسبة لهذه الحالة، معظم الإجابات المقدمة في بروتوكول الرورشاخ جاءت في مواقع كلية G=07، G%=58%، إلى جانب إجابات ذات مواقع جزئية D=05، D%=42%، وبمحددات شكلية F=92%، مع غياب المحددات الحسية C=00%.
كما استطاعت المبحوثة تقديم هذه الإجابات بناءً على استغراق زمن كل لوحة قدره 23.
ومثل هذا الإنتاج يدل على حاجة المبحوثة لضبط المواضيع الداخلية وإزاحة كل التصورات المقلقة والمثيرة للشعور بالذنب، وبالتالي فمشكلة عسر القراءة عندها تعود إلى مشكلة نفسية مرتبطة بمرحلة الكمون لديها، والتي تحمل دلالة عيادية خاصة ترتبط بنوع عسر القراءة التي تعانيه، وهي صعوبة في نطق التشكيل من الضمة والفتحة والكسرة والسكون إلى جانب القلب والحذف والإبدال.
فنمط إدراك اللوحات المفضل لديها يتمثل أكثر في المواقع الكلية، وعليه فعسر القراءة لديها لا يرتبط بنمط الإدراك الجزئي للوحات، ولكن بمتغير آخر ذو علاقة بتطور التنظيم الزماني المكاني لدى المبحوثة.
وبالتالي لم نجد عند هذه الحالة تأثيراً للتنظيم الزماني المكاني على عسر القراءة عندها.
الحالة الثالثة
طفل يبلغ من العمر 11 سنة، ويدرس في السنة الخامسة ابتدائي.
معظم الإجابات المقدمة في بروتوكول المبحوث جاءت ضمن مواقع كلية تمثلت في G=09، G%=31%، تخللتها إجابات جزئية قليلة D=04، D%=31%.
وهذا يدل على سياق معرفي دفاعي ضد التحريضات الكامنة للوحات الاختبار، وسيطرة النمط الكلي على النمط الجزئي في البروتوكول، صحبتها محتويات متنوعة كاملة، تتراوح من الصور الإنسانية إلى المحتويات الحيوانية الموضوعية والنباتية، الأمر الذي يشير إلى وجود حدود لصورة جسدية جيدة النوعية.
إذن عند هذا المبحوث لم تتحقق الفرضية الأولى، وبالتالي فعسر القراءة عنده قد يرتبط باختلال آخر في التنظيم الزماني المكاني غير صعوبة إدماج الأجزاء في الكل.
وعليه فلا وجود لتأثير التنظيم الزماني المكاني على عسر القراءة من خلال اختبار الرورشاخ عند هذه الحالة.
الحالة الرابعة
تبلغ من العمر 9 سنوات وتدرس في السنة الرابعة ابتدائي.
نجد أن الإجابات الجزئية عند هذه الحالة تمثلت في D=23، D%=67%، والتي كانت ذات طابع حيواني وإنساني جزئي Ad=38%، Hd=15%، تكرر طيلة البروتوكول تقريباً.
كما أنها استغرقت وقتاً معتبراً في فحص كل اللوحات، حيث كان متوسط زمن اللوحة 3.31، مع ملاحظة قصر زمن الكمون 7.2.
إلا أنها عمدت إلى تكرار الإجابات كإنكار لتغيير المنبهات الخارجية في أغلب اللوحات تقريباً، وذلك استجابة للحاجة للدفاع ضد القلق، والتقطيع الذي نال من الغلاف النفسي والجسدي للمبحوثة.
فصعوبة إدماج الأجزاء ضمن وحدة جسدية معرفة، إنسانية أو حيوانية، تجلت بشكل واضح في اللوحات السوداء: VII, VI, V, IV, III, II, I.
وهذا ما يدل على وجود صدمة نفسية أمام اللون الأسود، والتي تفسر بصورة واضحة وجود نمط الإدراك الجزئي لديها، مما يدفعنا للقول بعدم تأثير التنظيم الزماني المكاني وعسر القراءة عندها من خلال اختبار الرورشاخ.
9. مناقشة عامة للنتائج
تظهر النتائج التي توصلت إليها الدراسة تحقيق الفرضية التي تنص على أن التنظيم الزماني المكاني لدى الطفل عسير القراءة يتميز بنمط إدراك جزئي يدل على صعوبة إدماج الأجزاء في وحدة كلية من خلال اختبار الرورشاخ عند حالة واحدة.
ولم تتحقق هذه الفرضية عند باقي الحالات التي تشترك مع الحالة الأولى في اضطراب عسر القراءة، ولكنها تختلف عنها في السن، حيث تتراوح أعمارهم بين 9 و11 سنة، كما تختلف في المستوى الدراسي بين السنة الرابعة والخامسة ابتدائي.
وهذا ما يرجح الوصول إلى نتيجة مفادها وجود فروق في النتيجة المتحصل عليها من خلال هذا الاختبار بين مستويات الحالات الدراسية.
فكلما انتقل عسير القراءة من مستوى تعليمي إلى آخر نقصت أو زالت عنه مشكلة التنظيم الزماني المكاني، باعتبار أن اكتساب هذين المفهومين، الزمان والمكان، مرتبطان بتطور مراحل النمو والنضج عنده.
وهذا ما يفسر عدم وجود هذه المشكلة بالنسبة للحالات الأخرى.
وتتفق هذه النتيجة مع نتيجة الدراسة التي قامت بها الباحثة “عياد مسعودة”، حيث خلصت إلى وجود علاقة نسبية بين اضطراب مفهومي الزمان والمكان وعسر القراءة، فالعلاقة بينهما ليست حتمية ولا مطلقة، كما أن هذه المشكلة تزول مع تقدم سن الطفل.
في هذا الصدد يؤكد “بياجيه” أن طفل الثامنة والتاسعة قادر على التنسيق بين الأحداث الزمانية ويكون أكثر وعياً بأن هناك استقلالية بين الوقت والنشاط الذي يقوم به، ويصبح يفرق بين الزمن النفسي والزمن الفيزيائي.
وعليه فاكتساب مفهوم الزمان لا يمكنه أن يكون قبل الثامنة، وهذا ما توضحه الفرضية التي تحققت مع الحالة الأولى، حيث إن عمر الطفلة يقل عن الثامنة، وبالتالي عدم قدرتها على التنسيق بين الأحداث الزمانية، بخلاف الحالات الأخرى.
والأمر كذلك بالنسبة للتنظيم المكاني الذي حدده بياجيه بين التسع والعشر سنوات، حيث يرى أنه أثناء النمو يكون الطفل في ذهنه عالماً ووسطاً ثابتاً يحدد فيه نفسه، وتختلف قدرته على إدراك العلاقات المكانية القائمة بين الأشكال تبعاً لاختلاف مراحل نموه عبر سنوات حياته.
في الأخير يمكننا القول إن مشكلة التنظيم الزماني المكاني هي عرضية وليست مسبباً لعسر القراءة، وبالتالي لا يؤثر التنظيم الزماني المكاني على عسر القراءة عند الطفل، فقد يكون نتيجة لعسر القراءة وليس سبباً لها.
كما تجدر الإشارة إلى توافق الدراسة مع دراسة أخرى رغم استخدام أداة نفسية إسقاطية، ما يوضح فعالية هذه الأداة في الكشف عن مفهومين مهمين، هما الزمان والمكان، والتي قد تكون تمهيداً لأبحاث أخرى.
10. خاتمة
توصلت النتائج بعد تطبيق اختبار الرورشاخ إلى تحقيق الفرضية عند حالة واحدة من الأربعة، والذي يمكن إرجاعه إلى السن والمستوى الدراسي عند هذه الحالة التي تعد الأصغر سناً، كما يعود إلى عدم وصولها إلى السن المناسب الذي يتم اكتساب فيه مفهوم الزمان والمكان، اللذين يعتبران من المفاهيم الأولية التي لها علاقة بمراحل النمو.
لكن يجب توضيح أن اختبار الرورشاخ قد أفصح عن نتائج مهمة عند باقي الحالات الأخرى التي لم تتحقق فيها فرضية البحث، وهي مرحلة الكمون والصدمة النفسية والصورة الجسمية وارتباطها بالتنظيم الزماني المكاني عند الطفل عسير القراءة.
وعليه نأمل في الأخير أن تكون هذه الدراسة انطلاقة لدراسات أخرى أكثر تعمقاً في هذا الموضوع، والتي ربما تفصح عن نتائج أخرى تكون مفيدة وفعالة كلها لصالح الكشف عن حقيقة هذا الاضطراب وبالتالي علاجه.
11. التوصيات
على ضوء النتائج المتوصل إليها من خلال هذه الدراسة نقترح ما يلي:
- وضع وإعداد اختبار مقنن يقيس القدرات التالية لدى الفرد: مفهوم المكان ومفهوم الزمان.
- الاهتمام بدراسة الصورة الجسمية وعلاقتها بالتنظيم الزماني المكاني عند الطفل عسير القراءة.
- الاهتمام بدراسة الصدمة وعلاقتها بالتنظيم الزماني المكاني عند الطفل عسير القراءة.
قائمة المراجع
- أحمد طالب. (2004). مفهوم الزمان ودلالته في الفلسفة والأدب بين النظرية والتطبيق. الجزائر: دار الغرب للنشر والتوزيع.
- أحمد عبد الكريم حمزة. (2008). سيكولوجية عسر القراءة (الديسليكسيا). عمان: دار الثقافة.
- البهي السيد فؤاد. (1985). الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة. القاهرة: دار وهدان.
- السيد عبد الحميد سليمان. (2002). صعوبات التعلم (ترسيخها، مفهومها، تشخيصها، علاجها). القاهرة: دار الفكر العربي.
- حنفي بن عيسى. (2003). محاضرات في علم النفس.
- عبد الفتاح محمد دويدار. (2007). المرجع في مناهج البحث في علم النفس وفنيات كتابة البحث العلمي. الإسكندرية، مصر: دار المعرفة الجامعية.
- عياد مسعودة. (2008). الزمان والمكان وعلاقتهما بعسر القراءة. مجلة العلوم الإنسانية، 77-90.
- محمد مقدادي، محمود عبد الله. (2000). تأثير برنامج من التعليم العلاجي في القرائية لدى طالب يعاني من الديسليكسيا. أبحاث اليرموك.
- نبيل عبد الفتاح حافظ. (2000). صعوبات التعلم والتعليم العلاجي. القاهرة: مكتبة زهراء الشرق.
- نصرة محمد عبد المجيد جلجل. (1995). العسر القرائي. القاهرة: مكتب النهضة المصرية.
- وزارة التربية الوطنية. (2004). دليل المعلم لاستكشاف صعوبات التعلم ومعالجتها. الجزائر، الجزائر: المديرية الفرعية للتعليم المتخصص.
- فتحي مصطفى الزيات. (1998). صعوبات التعلم: الأسس الشخصية والعلاجية: اضطرابات العمليات المعرفية والقدرات الأكاديمية. المنصورة: دار النشر للجامعات، مصر.
- Frumholz, M. (1997). Écriture et orthophonie. Editions scientifiques européennes.
- Landsheere, G. D. (s.d). Introduction à la recherche pédagogique. Paris: Armand Colin.
- Maisonny, B. (1978). Langage oral et écrit. Paris: Delachaux et Niestlé.
- Paul Fraisse, J. P. (1965). Traité de psychologie expérimentale. France: P.U.F.
- Pecheux, M. G. (1990). Le développement des rapports des enfants à l’espace. France: Editions Nathan.
- Piéron, H. (1968). Vocabulaire de psychologie. Paris: P.U.F.
