The psychological effects of the Corona pandemic in light of the attachment theory
مونية دراحي – نادية بداد
مخبر علم النفس العيادي والقياسي – جامعة الجزائر 2، الجزائر
DOI: 10.34118/ssj.v16i2.2531
مجلة العلوم الاجتماعية
المجلد 16، العدد 02، سبتمبر 2022، صص. 392–403
ملخص
تعتبر هذه الورقة البحثية عبارة عن قراءة نفسية للآثار السيكولوجية التي خلفتها جائحة كورونا على الصحة النفسية في ضوء نظرية التعلق، التي تتضمن الدراسة النفسية في تعطيل روابط التعلق مدى الحياة من منظور تطوري، نظراً للمعاش النفسي الصعب في فترة الجائحة وما ميزه من تدهور العلاقات، وما نتج عنه من ظهور الاضطرابات النفسية الفردية، كالقلق والاكتئاب والضغط ما بعد الصدمة، وكذا الاستجابات الاجتماعية، ومنها الصراعات بين الأشخاص كالعنف.
وتتم مناقشة هذه الآثار من خلال الاهتمام بالاستراتيجيات العلاجية، وكذلك تطوير مرونة المجتمع في مواجهة جائحة كورونا.
لقد توصلنا إلى جملة من النتائج، أهمها أن صورة التعلق توفر للفرد قاعدة آمنة نفسية وجسدية لاكتشاف المحيط والتحكم فيه، وتنظيم انفعالاته والتخفيف من شدتها. فالتعلق يعتبر كنظام حماية للفرد تنشط من خلاله أنظمة التعلق في حالات الخوف والقلق وفي الوضعيات المفاجئة وغير المتوقعة.
وهذا ما تؤكد عليه نظرية التعلق لجون بولبي، حيث تلعب العلاقات الإنسانية الآمنة دوراً مهماً في الصحة النفسية وقت الظروف والأزمات المفاجئة، مثل جائحة كورونا. فأي خلل في البناء العلائقي، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، يؤدي إلى اضطرابات نفسية كالاكتئاب والقلق والضغط ما بعد الصدمة، كما يؤدي إلى تفاقم الصراعات وظهور العنف بمختلف أنواعه.
الكلمات المفتاحية: جائحة كورونا، نظرية التعلق، الصحة النفسية.
1. مقدمة
تعتبر جائحة كورونا أزمة صحة عالمية، عانت منها كل الدول، من بينها الجزائر، حيث أحصيت في شهر أفريل 2020 حوالي 4006 حالة إصابة و6 وفيات بحسب ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم لجنة الرصد والمتابعة لمرض فيروس كورونا التابعة لوزارة الصحة الجزائرية، ليرتفع العدد يوماً بعد يوم ويصل إلى حصيلة كبيرة، سواء بالنسبة للإصابات أو بالنسبة للوفيات.
رغم كل التحديات والجهود التي قامت بها مختلف الدول بما تملكه من تكنولوجيا وتطور علمي، إلا أنها وجدت نفسها عاجزة أمام هذه الجائحة التي أخذت الكثير من البشر. ورغم كل الإجراءات والسعي المتواصل لمحاولة الحد من انتشار هذه الجائحة، كان لكل ذلك أثر مباشر على الصحة النفسية للملايين من الأشخاص.
خاصة وأن جهود الدولة المقدمة اقتصرت بدرجة كبيرة على الاهتمام بالجانب الصحي البدني وأهملت الجانب النفسي، ولهذا قدم بعض الباحثين للجائحة تسمية «أزمة الصحة النفسية العالمية»، وأشاروا إلى الحاجة الملحة لإنتاج مراكز صحية تهتم بالجانب النفسي في مثل هذه الظروف، مع الأخذ بعين الاعتبار الإجراءات اللازمة للتقليص من العدوى والتخفيف منها.
ومع التزايد المستمر والتوقعات المجهولة وحالات الخوف والفقدان التي عاشها الكثير من الأشخاص مع طول مدة الحجر الصحي، الذي يعد مدمراً للحياة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، إضافة إلى التغير الذي مس نمط الحياة بأكملها والتباعد الاجتماعي وغياب الدعم النفسي، زاد الأثر بصورة كبيرة على الصحة العقلية، خاصة تزايد القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، وتفاقم المعاناة النفسية للذين يعانون في الأصل من اضطرابات نفسية حادة.
بالرغم من كل البحوث الوصفية التي توفر معلومات قيمة عن مدى حجم المشكلة التي يتعرض لها الفرد والمجتمع في مثل هذه الظروف، فإن الحاجة إلى تفسير هذه النتائج بطريقة مناسبة أصبحت ضرورة ملحة من أجل تطوير استراتيجيات علاجية.
فالمعرفة النظرية وتطبيق المفاهيم النفسية على أرض الواقع، بما يتناسب مع مثل هذه الأزمات، يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في تخفيف الأثر النفسي لجائحة كورونا، والقدرة على المواجهة بشكل أكبر.
وعليه، فإن الورقة البحثية الحالية تحاول الإجابة عن التساؤل الرئيسي التالي:
كيف يمكن أن تساهم نظرية التعلق في إعطاء التفسير الصحيح للآثار النفسية التي خلفتها جائحة كورونا على الفرد والمجتمع؟ وهل من خلال معرفتنا بالآثار التي خلفتها جائحة كورونا على الفرد والمجتمع بإمكان الأخصائيين النفسانيين بناء استراتيجية علاجية مناسبة في ظل نظرية التعلق؟
للإجابة عن هذا التساؤل سوف نقدم لمحة موجزة عن نظرية التعلق وتطبيقاتها، وإبراز الصلة بين جائحة كورونا ونظرية التعلق بهدف بناء استراتيجيات علاجية، بوضع الفرضيات التالية:
- تساهم نظرية التعلق في تفسير القلق الذي ظهر عند الأفراد خلال جائحة كورونا.
- تساهم نظرية التعلق في تفسير الاكتئاب والضغط ما بعد الصدمة اللذين خلفتهما جائحة كورونا.
- تساهم نظرية التعلق في تفسير العنف الذي ظهر بين أفراد المجتمع خلال جائحة كورونا.
2. تحديد مفاهيم الدراسة
2.1. نظرية التعلق
هي نظرية اهتمت في البداية بعلاقة الطفل بمقدم الرعاية الأساسي، لكنها اتسعت فيما بعد لتشمل جميع أنواع العلاقات العاطفية والاجتماعية، وأسست من طرف جون بولبي.
2.2. الصحة النفسية
تعرف منظمة الصحة العالمية الصحة النفسية على أنها حالة من تمام الشعور بالسعادة أو الراحة النفسية والجسمية والعقلية والاجتماعية، وليس مجرد غياب المرض أو انتفاء العجز والضعف.
أما حديثاً فتعرفها منظمة الصحة العالمية بأنها حالة من العافية التي يستطيع من خلالها الفرد أن يتعرف على قدراته الذاتية، وأن يتكيف مع الضغوطات الحياتية، خلال العمل بإنتاجية وفعالية والمساهمة في مجتمعه.
كما يعرفها سوتر بأنها استعداد الجهاز النفسي على العمل بطريقة منسجمة ومريحة وفعالة، والمواجهة بمرونة للمواقف الصعبة مع القدرة على إيجاد التوازن.
ومن خلال هذه التعاريف يمكننا القول بأن مفهوم الصحة النفسية لم يعد محصوراً في مجرد تمتع الفرد بالصحة، لكنه أخذ بعداً آخر، وهو مدى قدرة الفرد على المواجهة والتكيف بكل مرونة وذكاء مع الظروف والضغوط والأزمات المفاجئة.
2.3. جائحة كورونا
جائحة كورونا هي جائحة عالمية جارية لمرض فيروس كورونا 2019، كوفيد-19 أو فيروس كورونا ووهان، والذي يحدث بسبب فيروس كورونا 2 المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة SARS-CoV-2.
اكتُشف المرض في ديسمبر 2019 في مدينة ووهان وسط الصين، وقد صنفته منظمة الصحة العالمية في 11 مارس 2020 بالجائحة، حيث ينتج عن هذا الفيروس أعراض خطيرة متنوعة قد تؤدي إلى الموت.
3. الإطار النظري لنظرية التعلق
تعتبر الدراسات الإيثيولوجية التي أقيمت على الحيوان، مثل القردة والإوز، والدراسات والبحوث النفسية الميدانية عن الحرمان الأمومي والانفصال، الحجر الأساس في نشأة وظهور تيار جديد هو نظرية التعلق بزعامة جون بولبي.
وتعتبر نظرية التعلق من النظريات المهتمة بالعلاقات الإنسانية المتغيرة، والتي تهدف إلى التنمية العاطفية والاجتماعية من خلال علاقة الطفل بمقدم الرعاية الأساسي.
فقد تكون هذه العلاقة آمنة بالنسبة للطفل، وتستمر معه طوال الحياة وتساعده على بناء علاقات مختلفة في مراحل حياته، أو قد تكون غير آمنة، فيكون التواصل غير آمن، ويصبح الطفل في حالة تجنب أو قلق أو تعلق غير منظم، مبني على سلوكيات سلبية تجاه الآخرين، سواء بالصراعات أو بالانطواء والانسحاب.
وهذا يضفي على الجانب العاطفي الاجتماعي فقراً في العلاقات الإنسانية المختلفة، والتي قد تؤدي إلى منحى سلبي تجاه العلاقات، قد يكون بالعنف أو بالتعامل السيئ أو كثرة الصراعات.
وهذا طبعاً له تأثير كبير على الاستقرار والتوازن النفسي والصحة النفسية، فنمط التعلق يؤثر بقوة على شخصية الفرد، ويتحكم في تعاملاته وانفعالاته ويحدد حياته اللاحقة.
فالتعلق يعتبر حاجة نفسية ضرورية في حياة الإنسان، لا يمكن الاستغناء عنها. ولهذا يقول جون بولبي إن أي خلل في التعلق في السنوات الثلاث الأولى يكون أساساً لعدم التوافق وعدم القدرة على تكوين علاقات عاطفية مع الآخرين.
كما أعطى بالنت مصطلحين مهمين عبارة عن اضطرابات للتعلق هما:
L’ocnophile وPhilobate
فالأول ليس له أي حرية بالنسبة لموضوع تعلقه، يلتصق به ويخاف ولا يؤمن بالابتعاد عنه، وهو مؤسس على التقارب الجسدي، أما الثاني فليس له تعلق بموضوع محدد.
بالرغم من أن الصيغة الأولية للتعلق لجون بولبي تم اشتقاقها من علم السلوك، حيث ينظر إلى الحماية على أنها الغرض الأساسي من سلوك التعلق، إلا أنه فيما بعد تم صقل وتطوير النظرية من طرف الباحثين بشكل متطور.
وقد تم تسليط الضوء على الدور الرئيسي للتعلق في:
- التكيف الاجتماعي.
- العلاقات والصداقات.
- تنمية المهارات الاجتماعية.
- الرضا في العلاقات الزوجية.
- التطور الأخلاقي.
- التنظيم العاطفي.
- الأداء الاجتماعي اليومي.
كل هذه التأثيرات المختلفة تتم عن طريق ما يسمى بالتمثيلات الداخلية أو نماذج العمل الداخلية.
وقد استخدم بولبي هذا المصطلح الذي استمده من عالم النفس البريطاني كريك سنة 1943، حيث أبرز الطبيعة الدينامية لهذه التمثيلات الداخلية من حيث دورها العملي في حياة الطفل، باعتبارها الحلقة النمائية التاريخية التي تفسر كيفية تأثير ظروف الماضي بظروف الحاضر والمستقبل.
إذ إنها تسير طريقة الفرد في الإدراك والتصرف في علاقاته البين شخصية.
وعليه يشكل الطفل نموذج الذات ونموذج الآخرين من خلال هذه النماذج الداخلية. فبناءً على تفسيره لاستجابات الآخر يدرك الفرد نفسه كشخص جدير بمحبة الآخرين، ناجح اجتماعياً وكفؤ، وفي هذه الحالة يكون نموذج الذات إيجابياً.
أما إذا كان العكس، أي أن الفرد يدرك نفسه كشخص غير جدير بمحبة الآخرين، غير ناجح وغير كفؤ، فهنا يكون نموذج الذات سلبياً.
أما نموذج الآخرين فيعتمد على كيفية إدراك الفرد للآخرين، كأفراد حساسين أو غير حساسين نحو حاجاته.
وبالتالي، إذا استنتج الطفل أنه يمكنه الاعتماد على وجود واستمرارية صور التعلق، طور نموذجاً للتعلق إيجابياً نحو الآخرين، لكن إذا أدرك الآخرين كأفراد غير حساسين أو غير مهتمين بحاجاته فإن نموذج الآخرين يكون لديه سلبياً.
إضافة إلى هذا، أكد بولبي على أن أهمية التعلق لا تتوقف عند مرحلة الطفولة المبكرة أو مع مقدم الرعاية الأساسي فحسب، بل تتضمن العلاقات مع الأفراد والأسرة والأصدقاء والأزواج، وتلعب دوراً مهماً في الصحة العقلية وجودتها، سواء في سن المراهقة أو سن الرشد.
وكلها مبنية على أساس «نظام المودة» في الحياة الفردية المنتظمة، حيث إن هذه الأنظمة يمكن أن تحقق توازناً أو تترك آثاراً على التواصل في بداية العمر.
فالردود غير البناءة من طرف رفيق أو زوج يمكن أن تقلل من عدم الأمان في سن الرشد.
وبالمثل، فإن العلاج النفسي، بما في ذلك العلاج النفسي الجماعي، قد يؤدي إلى تعديل تأثيرات التعلق السابق غير الآمن بشكل إيجابي.
بمعنى آخر، لا يجب أن تفهم نظرية التعلق بالمعنى الضيق، محصورة فقط في دراسة التعلق بين الطفل ومقدم الرعاية الأساسي، بل يجب أن تستوعب على أنها تشمل بناء أو تهديم الروابط العاطفية والعلائقية بمختلف أنواعها في مراحل الحياة المختلفة.
4. نظرية التعلق والصحة العقلية
إن أعراض القلق والاكتئاب والضغط ما بعد الصدمة هي الاستجابات الأكثر شيوعاً خلال فترة جائحة كورونا.
وهذا ليس بالصدفة، فالقلق والاكتئاب جزء لا يتجزأ من استجابات الإنسان الانفعالية تجاه الخطر المهدد للأشخاص المرتبط بهم.
ذلك لأن المحيط الخارجي والالتقاء بالآخرين بعدما كان مصدر ترفيه وأمن وارتياح أصبح مصدر خوف وحذر من انتقال العدوى، خاصة وأن كل فرد يجهل تطورات هذا الفيروس وما قد يحدثه.
كما ازداد هذا الخوف أكثر عند الأشخاص الذين فقدوا أحد أفراد العائلة.
إلى جانب ذلك، كانت صورة الاكتئاب والقلق مهيمنة خاصة عند كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، حسب المعلومات التي كانت تبث في القنوات الإخبارية بجميع أنواعها، حيث كانت تركز أكثر على هذه الفئة التي تتطلب حذراً شديداً.
فيمكن للتعلق أن ينشط من خلال المرض، أي أنه يعبر عن الشخص المتعلق تعلقاً غير آمن، والذي عنده درجة خوف كبيرة من الفقدان، بأعراض مرضية، وخاصة منها الاكتئاب والقلق.
ولهذا فقد تم ربط التعلق غير الآمن بمستويات أعلى من القلق الصحي، وهو مؤشر مهم في الاستجابات غير القادرة على التكيف نظراً لتفشي الأمراض.
وهناك بالفعل دليل من دراسة إيطالية ربطت بين نمط التعلق وزيادة خطر القلق النفسي خلال فترة انتشار المرض من قبل جائحة كورونا.
كما تؤكد الدراسة التي قام بها الباحث عبد الله جوزه حول الصحة النفسية في زمن كورونا وتداعيات الحجر المنزلي، حيث خلصت نتائج دراسته إلى فشل الحكومة الجزائرية في مواكبة تداعيات الجائحة في الجانب النفسي لأفراد مجتمعها، وهو ما تترجمه وتيرة تزايد الاضطرابات النفسية لديهم على اختلافها منذ بداية انتشار الجائحة.
كما توصلت الباحثة خلال دراسة ميدانية عيادية لحالات عانت في فترة الجائحة، وتمثلت في 15 حالة، في إطار التحضير لنيل شهادة الدكتوراه الموسومة بـ«التعلق غير الآمن والصحة العقلية عند الراشد – دراسة عيادية».
وبالاعتماد على المقابلة نصف الموجهة ومقياس أنماط التعلق واختبار الرورشاخ نظام مندمج، توصلت إلى نتائج تمثلت في أن هذه الحالات تعاني من الاكتئاب والوسواس القهري ومحاولة الانتحار.
وكشف اختبار الرورشاخ عن مؤشرات الاكتئاب والوسواس القهري ومحاولة الانتحار، والتي ارتبطت بنمط من التعلق غير آمن من النوع المتناقض والمنفصل والمتجنب.
كما أن هذه الاضطرابات اقترنت بمؤشر عدم الكفاءة الاجتماعية، والذي يدل على ضعف في النضج العلائقي وصعوبة في الحفاظ على العلاقات مع الحذر في إنشاء روابط عاطفية وثيقة مع الآخرين.
وبالمثل، فإن أعراض ما بعد الصدمة التي ظهرت بقوة في هذه الفترة، من خلال الشعور بالإجهاد الكبير لدى عينة من البالغين الذين تعرضوا للإصابة بالفيروس، قد تكون بسبب التأثير المباشر بالمرض.
وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن الارتباط غير الآمن له علاقة بزيادة خطر الإصابة بالضغط ما بعد الصدمة، وهنا يمكن أن يتأثر الفرد بتوفير الدعم الاجتماعي من عدمه.
وذلك يتفق مع الدور الموسع لنظرية التعلق المقترحة، والتي تبحث في العلاقات الشخصية في حياة الكبار، وتلعب دوراً وقائياً ضد تطور المرض.
ومن خلال استعمال أساسيات نظرية التعلق يمكن توفير حماية أكبر، خاصة للأشخاص الذين يتميزون بتعلق غير آمن، لأنهم أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية.
4.1. الصحة العقلية للأطفال والمراهقين
إن التطبيقات الكلاسيكية لنظرية التعلق كما تمت صياغتها في الأصل في النصوص القديمة لجون بولبي هي أكثر وضوحاً وتفصيلاً، لأنها اهتمت أكثر بالطفل ومقدم الرعاية.
واستندت إلى دراسات أخرى قام بها كل من رينيه سبيتز، ودونالد وينيكوت، وماري أينسورث، وماري ماين وغيرهم.
كانت الدراسات تدرس الطفل وتهتم بكل جانب من جوانب شخصيته، سواء من ناحية النمو العاطفي أو المعرفي أو السلوكي، وحتى الاعتماد على الدراسات الإيثيولوجية التي أقيمت على الحيوان لمعرفة الميكانيزمات الأساسية التي ينشأ منها التعلق.
ولهذا فإن التعلق عند الطفل أخذ حصته بالكامل وكان أكثر وضوحاً.
وفي هذه الفترة الصعبة أظهرت الأبحاث في الصين أن تفشي مرض كوفيد-19 ترافق مع اضطرابات سلوكية مثل زيادة التشبث بالوالدين والتهيج وكثرة البكاء، وكلها لها علاقة بالتعلق غير الآمن.
وهذا ما تشير إليه نظرية التعلق لبولبي، حيث تنشط هذه الاستجابات في حالة وجود تهديد خارجي.
كما أن سلوك التشبث يكون أكثر شيوعاً في سن مبكرة من الطفولة.
وقد تتفاقم مثل هذه السلوكيات بسبب العوامل التي تقلل من اتصالات الطفل الاجتماعية مع أفراد الأسرة والأقران، مثل التوقف عن المدرسة والمكوث في المنزل لوقت طويل جداً.
وتصف ماري أينسورث التعلق بأنه صلة عاطفية دائمة ومتميزة، يميل الطفل فيها للبحث عن الأمن والاطمئنان تجاه صورة محددة أثناء فترات الشدة.
وهناك تقارير مبكرة عن زيادة مستوى القلق والاكتئاب في سن المدرسة ذات صلة بتفشي المرض.
وكلاهما، القلق والاكتئاب، مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بعدم الأمان عند هذه الفئة العمرية.
وهذا يفسر ويترجم بقوة ما تعتمد عليه نظرية التعلق عند بولبي، حيث إن المحيط الخارجي كلما كان آمناً عند الطفل يساعده على الاستكشاف، ويعطيه ما يسمى بـ«دائرة الأمان».
عندما يكون التعلق آمناً، تبنى قاعدة الأمان على الوالدين، والتي من خلالها يلجأ الطفل إلى الاستكشاف، وفي حالة التهديد أو الخطر يرجع إلى مقدم الرعاية كمصدر حماية وأمن.
والعكس في حالة وجود التعلق غير الآمن، حيث يطور الطفل إما تعلقاً غير آمن قلقاً أو تجنبياً أو مقاوماً أو متناقضاً، وكلها تعتبر حواجز للاستكشاف والإحساس بالأمن.
وفي مثل هذه الظروف الحالية، أي جائحة كورونا، كان المحيط الخارجي في حد ذاته في حالة تهديد وخطر، وحتى مقدم الرعاية المتمثل في الوالدين كان مهدداً كذلك.
فالخوف والقلق الذي استحوذ عليهم في هذه الفترة له تأثير مضاعف على الطفل، لكونه يتأثر بكل الأحاسيس والمشاعر التي يعيشها مقدم الرعاية.
إلى جانب عجز الطفل عن إدراك واستيعاب ما يحدث في هذه الفترة، مما يجعله في تساؤل وحيرة كبيرة.
وهذا يضع الوالدين أمام اتجاهين: إما مواجهة الطفل بكل المعلومات الحقيقية، وإما محاولة تشويه هذه المعلومات بهدف إبعاد الطفل عن المخاوف التي قد يتعرض لها في مثل هذه الظروف.
كما يمكن أن يقع الوالدان في إعطاء معلومات متناقضة، خاصة وأن وسائل الإعلام تنشر مشاهد كثيرة يشاهدها الطفل، فتختلط عليه الأمور أكثر، مما يجعله في توتر داخلي وإحساس بعدم الأمن حول المعلومة وما يحدث في المحيط الذي يعيش فيه.
4.2. ما وراء المرض النفسي: الصحة البدنية والأداء المهني
هناك أدلة مقنعة على أن الشعور بالأمن وجودة الروابط بين الأشخاص لها تأثير كبير على الصحة البدنية والأداء المهني، علاوة على صلتها المباشرة بالطب النفسي.
فعلى سبيل المثال يمكن أن يرتبط التعلق غير الآمن بإعادة تنشيط عدوى فيروس الهربس الكامن، ومع ضعف المناعة وزيادة إفراز الكورتيزول.
وبالنظر إلى المتغيرات النفسية مثل الإجهاد، ارتبطت هذه المتغيرات بمعدلات متزايدة من التهابات الجهاز التنفسي الفيروسية.
ومثل هذه النتائج يمكن أن تكون لها أهمية نظرية، كما يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على الاستجابة المناعية لـCOVID-19.
ومن منظور الأداء والقلق المرتبط بالتعلق، كان مرتبطاً بزيادة المخاطر كالإرهاق وضعف الأداء الوظيفي للعاملين بشكل عام، وبشكل أكثر تحديداً العاملين في الطب والتمريض.
وتشير النتائج إلى أن العجز في الروابط الشخصية قد لا يؤثر فقط على الصحة العقلية للعاملين في الميدان الصحي، ولكن على قدرتهم على تقديم الرعاية بشكل فعال أيضاً.
وهذا مهم بصفة خاصة بالنظر إلى أن عمال الرعاية الصحية هم في خطر متزايد من الاعتلال النفسي أثناء تفشي المرض، حيث إنهم يتعرضون بشكل مباشر أو غير مباشر لتأثيرات المرض، وكذلك الخوف من الإصابة، وزيادة أعباء العمل وتقليل التواصل مع أفراد العائلة.
وهذه الأخيرة تعد ذات صلة مباشرة بنظرية التعلق.
إلى جانب الخوف الرهيب من نقل الفيروس لأفراد أسرهم، وخاصة الأم العاملة في قطاع الصحة ولها أطفال لا تستطيع الاقتراب منهم خوفاً من العدوى.
وكذلك الأمر بالنسبة للذين يعملون في قطاع الصحة وعندهم أشخاص كبار في السن أو أشخاص مصابون بأمراض مزمنة.
فهنا الإحساس بالخوف والقلق يزداد أكثر، وسلوكيات الحذر والحيطة والتجنب والابتعاد من خلال الحفاظ على مسافة الأمان كي لا ينتقل المرض.
هذا التباعد الجسدي جعل الشعور بالألم والحزن ستاراً لتلك المشاعر والعاطفة.
ولا يمكن أن ننسى الأطباء الذين تسببوا في العدوى، وخاصة إذا كانت الإصابة هي السبب الأساسي في موت أحد أفراد العائلة، وخاصة الأم أو الأب، فهنا يتفاقم الألم الذي يعتبر كصدمة نفسية قاسية جداً.
كما لا يمكن إغفال اللحظة التي يعرف فيها الشخص أنه مصاب، فالإجراء المعمول به هو عزله عن أفراد عائلته لفترة من الزمن.
وذلك كفيل بأن يعيش هذا الفرد ألماً نفسياً وتباعداً اجتماعياً يجعل من حالته النفسية أكثر سوءاً، خاصة إذا كان ذا تعلق غير آمن، فمشاعر الخوف والقلق والحزن قد تجتمع كلها في اضطراب نفسي قد يكون حاداً.
5. نظرية التعلق والقضايا الاجتماعية
5.1. العنف المنزلي
يعتبر العنف من القضايا المهمة والشائكة التي تتداخل فيها الكثير من العوامل المختلفة، خاصة في مثل هذه الظروف.
فالكثير من الأسر شهدت صراعات كبيرة انتهت بالعنف الذي اتخذ أشكالاً متعددة، من العنف اللفظي والجسدي والنفسي والجنسي.
كما اتخذ اتجاهات مختلفة، سواء العنف بين الأزواج أو بين الوالدين والأبناء، وحتى بين الأطفال فيما بينهم والمراهقين.
والعنف يعتبر مشكلة اجتماعية معقدة، من الممكن أن ترجع إلى طبيعة العلاقات داخل الأسرة.
فما انجر عن جائحة كورونا والإجراءات الوقائية التي سطرت للحد من انتشار الفيروس، من خلال فرض الحجر الصحي طوال هذه الفترة التي تعتبر طويلة، كشف عن حقيقة التفكك الأسري.
فبقاء كل أفراد الأسرة في مكان واحد ولفترة طويلة جعل الصراعات تتفاقم إلى درجة فقدان السيطرة على الانفعالات، وفشل الرقابة بسبب الضغوط التي يتعرض لها جميع أفراد الأسرة الواحدة.
ومنها الحرمان من الخروج والترفيه، وحرمان الأطفال من اللعب خارج المنزل، مما جعل ظاهرة الإدمان الإلكتروني ترتفع بقوة.
خاصة وأن جل الألعاب الإلكترونية تحوي على استخدام تفاعلات لا تخلو من العنف بحد ذاتها.
إلى جانب كل هذه الظروف المعيشية الصعبة، خاصة تعرض الكثير من الأشخاص للبطالة التي عانت منها الكثير من الأسر، جعلها مسرحاً لممارسة العنف بصورة متكررة.
وخاصة الأسر التي تحتوي على زوجين أحدهما يكون مضطرباً أو مدمناً.
وهذا كله يعتبر مؤشراً على وجود خلل في العلاقات، لأن التعلق الآمن يرتبط بجودة العلاقة في حياة البالغين ويساهم في التفاعل الإيجابي.
وكلما كانت العلاقات جيدة وآمنة، كلما تحول العنف إلى حوار وتفاهم ومساندة.
وبالعكس، فإن التعلق غير الآمن يساهم في الصراعات والنزاعات التي تصل إلى حد ممارسات وأفعال عنيفة.
وهذا ما يؤكده سونكين بأن التعلق الآمن يرتبط بجودة العلاقة في حياة البالغين، مما يقلل من مخاطر التعرض للعنف المنزلي.
كما يرى بولبي أن مظاهر التعلق غير الآمن القلق تتميز بمستويات عالية من القلق والغضب التي يمكن أن تظهر على شكل عنف لدى الأطفال والبالغين.
فالعزلة التي فرضت عن طريق الحجر الصحي كإجراء وقائي، ونقص الدعم الاجتماعي نتيجة التباعد الاجتماعي وتغير نمط الحياة المفاجئ، كل هذا كان سبباً في تضخيم تأثير التعلق القلق من خلال ظهور العنف.
ويرى فان جلدر أن التدابير غير العادية المتمثلة في الحجر المنزلي، والتي تعتبر كسجن منزلي، سمحت بتزايد مشكلة العنف ومن الصعب معالجتها، لأن الوصول إلى قنوات المساعدة أصبح صعباً جداً بسبب تفشي المرض الذي يستوجب العزلة.
مما زاد الأمور تعقيداً عندما أصبح الإجراء الوقائي المتمثل في الحجر الصحي بحد ذاته مشكلة كبيرة ودافعاً لممارسة العنف داخل الأسرة الواحدة.
فهو من جهة إجراء لابد منه لحماية الإنسان من الفيروس، ومن جهة أخرى أصبح عقبة وضعت الأفراد في ظروف صعبة انجر عنها مشكلة العنف.
6. الاعتبارات العلاجية والوقائية
لقد حدد سلايد وهولمز ثلاثة مبادئ رئيسية في علم النفس القائم على التعلق، وهي:
- الحاجة إلى العلاقة بين المعالج والمريض.
- التعرف على الارتباط الديناميكي، أي أنماط التعلق غير الآمنة والسلوكيات المرتبطة بها في العلاقة بين المعالج والمريض.
- فهم السلوكيات التي تنشط في حالة الخطر أو التهديد الخارجي، من أجل إعادة تشكيل هذه الديناميكيات.
ويمكن استخدام هذه المبادئ في حالة موقف أو ظرف ما مثل تفشي مرض كوفيد-19.
وهذا يتطلب معرفة نظرية التعلق من حيث إنها تهتم بالأفراد في مراحل تطور مختلفة، فضلاً عن الارتباط بين التعلق بعدم الأمان وأعراض القلق والاكتئاب والضغط ما بعد الصدمة.
فالمعرفة المعمقة لسلوك التعلق تسمح بتجنب التدخلات التي قد تعتبر غير مناسبة أو غير ملائمة في مثل هذه الظروف.
ورغم إمكانية تطبيق هذه المبادئ التي تقوم عليها نظرية التعلق على جميع الفئات العمرية، سيكون لمثل هذا النهج أهمية خاصة في العمل مع الأطفال والمراهقين.
في حين أن الوالدين ومقدمي الرعاية يمكن اعتبارهم كمساعدين للأخصائي النفسي بهدف تقوية «القاعدة الآمنة» للطفل والتقليل من القلق والاكتئاب والغضب.
وذلك من خلال تقرب الوالدين والاستماع وخلق جو أسري ممتع، بعيداً عن الملل والروتين، بوضع برنامج يومي متنوع.
كما يمكن استخدام اللعب من طرف الوالدين من خلال الرسم، وإشراك الطفل في الأنشطة اليومية التي يقوم بها في المنزل.
وكذلك بالنسبة للمراهق، من خلال مساندته والحوار والاهتمام به والتقرب إليه أكثر.
وهكذا يساهم الوالدان في تقوية القاعدة الآمنة بالمرافقة.
وقد تثار نقطة أخرى في هذا السياق وهي القيود المفروضة على التواصل المباشر بين شخص وآخر أثناء تفشي جائحة كورونا، الأمر الذي أدى إلى البحث عن بدائل في طرق التواصل عن بعد، ويشار إليها أحياناً باسم الطب النفسي عن بعد.
وهذه الأساليب واعدة للغاية، لكنها تخضع لقيدين مهمين، كلاهما منطقي من منظور التعلق.
أولاً، استخدام تقنيات الاتصال عن بعد يمكن إلى حد ما أن تعوض بدلاً من اللجوء إلى التفاعلات الشخصية المباشرة، لكن هذا يطرح مشكلة عدم تطابق تطوري بين التكنولوجيا والآلية التي تسهل تطوير روابط التعلق.
ويمكن أن يتداخل هذا مع ديناميكيات التعلق التي تلعب دوراً مهماً في العلاج النفسي.
ثانياً، قد لا يقبل الأشخاص الذين يعانون من العزلة الاجتماعية هذه الأساليب.
ولكن رغم هذه الصعوبة يبقى التواصل غير المباشر الحل الأمثل في كثير من الحالات، وقد يكون أقل فعالية في المواقف التي يكون فيها التعلق مضطرباً.
وهذا ما لوحظ كذلك من خلال تجربة ميدانية تمثلت في خلية الإصغاء التي تم إنشاؤها منذ بداية الجائحة، والتي اعتمدنا فيها على خط هاتفي يستقبل كل المكالمات الهاتفية التي تستدعي استفسارات حول الجائحة أو طلب المساعدة أو استشارات بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية – سرفونتاس.
حيث لاحظنا أن هناك بعض الأشخاص يكتفون بالمساندة النفسية عبر الهاتف، وهناك البعض الآخر وجدوا صعوبة كبيرة في التفاعل عبر الهاتف للتصريح بمشكلاتهم وانفعالاتهم وآلامهم الداخلية.
وهذا الصنف من الأشخاص يعانون من التعلق المضطرب، والذي يتضح من خلال اتصالاتهم للبحث عن المساعدة، وفي نفس الوقت التزامهم الصمت الطويل والعجز عن توصيل مشاكلهم الداخلية، وخاصة مخاوفهم وقلقهم في هذه الفترة الصعبة.
وهنا يلعب الأخصائي النفسي الذي له دراية بنظرية التعلق دوراً فعالاً في مساعدة هذه الفئة على التعبير بكل سهولة عن مشاكلهم بدلاً من الصمت الطويل الذي يخفي وراءه خوفاً من عدم فهم الآخر لهم والحكم عليهم أو عدم قدرته على مساعدتهم.
7. بناء قدرة المجتمع على الصمود
من خلال المشاكل المذكورة سابقاً، يمكن أن يكون لنظرية التعلق دور مفيد في التدابير المصممة لتعزيز السلوكيات التكيفية، وتعزيز العلاقات الإيجابية بين أفراد المجتمع المتضررين من فيروس كورونا، والتقليل من الاضطرابات النفسية بتعزيز التدابير الوقائية اللازمة.
إذا لم يكن الاتصال المباشر ممكناً، فإن الحفاظ على التواصل مع الأشخاص إلكترونياً يمكن أن يلعب دوراً في الحفاظ على أمان التعلق.
ويسمح ذلك لأولئك الذين يشاركون في المهن عالية الخطورة، مثل العاملين في مجال الرعاية الصحية، بقضاء وقت للحفاظ على العلاقات الشخصية جنباً إلى جنب مع عملهم المقرر.
كما لا يخفى علينا التأثيرات الكبيرة لوسائل الإعلام التي تلعب دوراً سلبياً من خلال المبالغة وعدم اختيار استراتيجية سليمة لتوصيل المعلومة بطريقة فعالة وغير مؤذية.
وخاصة للأشخاص الذين يعانون من سيطرة الأفكار الوسواسية والمخاوف المرضية والفوبيا.
وبالتالي قد يصل الشعور بالخوف الزائد والمبالغة في الحذر إلى درجة العزلة الكاملة عن المجتمع وحتى عن أفراد الأسرة.
ولا ينبغي أن ننسى كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة الذين قد تنتابهم حالة ذعر كبيرة، وخاصة الخوف من الموت.
ولهذا من الضروري دمج مثل هذه الاستراتيجيات مع المناهج النفسية الأخرى، بما في ذلك تلك المستمدة من المدارس المعرفية والسلوكية لعلم النفس.
فتقنية التحرر من المشاعر السلبية EFT مثلاً يمكن استخدامها بطريقة سهلة، كما أنها تعطي علاجاً سريعاً وفعالاً في مثل هذه الظروف من أجل التقليل من ردود الفعل غير الملائمة مثل الذعر والتفكير بجنون العظمة، والتي يمكن أن تؤدي إلى المشاكل الاجتماعية التي تمت مناقشتها سابقاً.
إذ يكون هذا المنظور مفيداً للمعالجين.
8. الخاتمة
من خلال ما تم عرضه بإيجاز بخصوص الجوانب المختلفة لنظرية التعلق ذات الصلة بالتأثير النفسي لتفشي مرض كوفيد-19 على المستويين الفردي والمجتمعي، يجب النظر إلى الاستنتاجات المقدمة هنا على أنها مؤقتة، حيث لم يتم اختبارها ميدانياً في مثل هذه الظروف، على الرغم من أنها مدعومة إلى حد ما بالأدلة من خلال دراسات علمية أجنبية.
ومن بين هذه الدراسات الدراسة الإيطالية التي ربطت بين نمط التعلق وزيادة خطر القلق، والتي أكدت على تزايد القلق في هذه الفترة منذ انتشار فيروس كورونا.
كما كشفت دراسة أخرى عن الاضطرابات السلوكية لدى الأطفال، والتي تمثلت في التشبث والبكاء.
إلى جانب دراسة أخرى كشفت عن زيادة مستوى القلق والاكتئاب في سن المدرسة في فترة كورونا.
أما في الجزائر فهناك الدراسة التي قام بها عبد الله جوزه حول الصحة النفسية في زمن كورونا وتداعيات الحجر المنزلي، «التجربة الجزائرية على المحك»، حيث توصلت هذه الدراسة إلى نتيجة مهمة وهي فشل الحكومة الجزائرية في مواكبة تداعيات الجائحة من الجانب النفسي لأفراد مجتمعها، وهو ما تترجمه وتيرة تزايد الاضطرابات النفسية على اختلافها منذ انتشار الجائحة.
دون أن ننسى تجربتنا المهنية الشخصية من خلال خلية الإصغاء بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية – سرفونتاس – والتي انطلقت منذ بداية الجائحة.
وقد أكدت لنا بوضوح ما توصلت إليه دراسة عبد الله جوزه، من انتشار الاضطرابات النفسية، وخاصة الاكتئاب والقلق والضغط ما بعد الصدمة، مع زيادة الأفكار الوسواسية والفوبيا لدى الكثير من الأشخاص.
كما أنه حسب اطلاعنا لم نجد دراسات كثيرة في البيئة الجزائرية اهتمت بالصحة النفسية أو الجانب النفسي في فترة الجائحة.
فجل الدراسات كانت تناقش التعليم عن بعد في زمن كورونا، والجانب الاقتصادي ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب الخدمات الصحية والإعلام الصحي، والشائعات والأخبار المزيفة، وإدارة الأزمات في المستشفيات، وآثار كورونا على أساتذة التعليم والتكوين المهني.
كما يجب أيضاً التأكيد على أن تطبيق نظرية التعلق على أزمة جائحة كورونا ليس بأي حال من الأحوال الدواء الشافي، ولكن يمكن لوجهات النظر والتقنيات المستمدة من أبحاث التعلق أن تساهم بقدر كبير في التخفيف من الآثار النفسية التي تركتها جائحة كورونا، كما تساهم بالتكفل النفسي الجيد.
خاصة وأن أهم جانب تعرض إلى الدمار خلال هذه الفترة هو الجانب العلائقي، من منع التواصل عن قرب ومنع الزيارات حتى في حالة المرض والوفاة.
كل هذا أدى إلى التباعد الاجتماعي الذي أصبح ضرورة للبقاء على قيد الحياة.
9. اقتراحات وآفاق
من خلال قيامنا بهذه الورقة البحثية والاطلاع على معظم الأبحاث التي اهتمت بآثار كورونا، وجدنا افتقاراً كبيراً من جهة الاهتمام بالجانب النفسي والصحة النفسية.
ولهذا لابد من تكثيف البحوث والدراسات في هذا الجانب، لأن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة البدنية، بل بالعكس تساعد في الحفاظ على جهاز المناعة من أجل مواجهة هذا الفيروس.
إن الآثار التي خلفتها جائحة كورونا على جانب العلاقات، وخاصة حالات الفقدان بالموت وحتى الغياب الطويل للأشخاص الذين بقوا خارج البلاد بعيداً عن الأهل، تجعل الاستعانة بنظرية التعلق في المساعدة النفسية قد تقدم خدمة كبيرة للأخصائي النفسي، خاصة أثناء أزمة كورونا وبعدها.
إن ضرورة توظيف المعلومات المعرفية والنظرية في وقت الأزمات أصبحت أمراً مهماً، خاصة وأن الأبحاث العلمية تكشف عن إمكانية ظهور فيروسات أخرى.
وجل الأبحاث الحديثة تكشف على أن الأساس في عدم التوازن النفسي وعدم قدرة الفرد على مواجهة الظروف، خاصة التي تكون بصفة فجائية والمغايرة للظروف المتعود عليها من طرف الفرد، هو مشكلة التعلق.
ولهذا أصبحت نظرية التعلق من النظريات الهامة التي تخدم بقوة المشكلات المعاصرة التي يتعرض لها الفرد والمجتمع بصفة عامة.
وعليه، فإن بناء آفاق جديدة في ميدان البحث العلمي المكيف مع المجتمع الجزائري في هذا الجانب قد يقدم خدمة كبيرة.
قائمة المراجع
بوعموشة، نعيم. (2020). فيروس كورونا (كوفيد 19) في الجزائر – دراسة تحليلية. مجلة التمكين الاجتماعي، المجلد 2(2)، 113–151.
جوزه، عبد الله. (2021). الصحة النفسية في زمن جائحة كورونا (كوفيد 19) المستجد وتداعيات الحجر المنزلي، التجربة الجزائرية على المحك. مجلة العلوم القانونية والاجتماعية، المجلد 6 (1)، 201–231.
دراحي، مونية. (2022). التعلق غير الآمن والصحة العقلية عند الراشد – دراسة عيادية لـ15 حالة. أطروحة الدكتوراه غير منشورة، الطور الثالث، تخصص علم النفس العيادي، جامعة الجزائر 2.
سحيري، زينب. (2017). أساسيات نظرية التعلق الحديثة. دار الأيام للنشر والتوزيع.
سويد، ريما عفيفي. (2007). تعزيز الصحة النفسية للشباب. ورشة الموارد العربية.
القريطي، عبد الله أمين، عبد العزيز السيد. (1992). مقياس الصحة النفسية للشباب. المعايير المصرية والسعودية، مكتبة الأنجلو المصرية.
Blakely, T. J. et al. (2015). Application of attachment theory in clinical social work. Health & Social Work, 40(4), 283–289.
Bowlby, J. (1969). Attachment. Hogarth Press.
Bowlby, J. (1988). A Secure Base: Parent-Child Attachment and Healthy Human Development. Routledge.
Disord, G. J. (2020). How health anxiety influences responses to viral outbreaks like COVID-19: What all decision-makers, health authorities, and health care professionals need to know. Journal of Anxiety Disorders, 71, 102–211.
Dykas, M. J. (2011). Attachment and processing of social information across the life span: Theory and evidence. Psychological Bulletin, 19–46.
Flores, P. J. (2010). Group psychotherapy and neuroplasticity: An attachment theory perspective. International Journal of Group Psychotherapy, 60(4), 546–570.
Govrin, A. (2014). The ABC of moral development: Attachment approach to moral judgment. Frontiers in Psychology.
Fagundes, C. P., Jaremka, L. M., Glaser, R., Alfano, C. M., & Povoski, S. P. (2014). Attachment anxiety is related to Epstein-Barr virus latency. Brain, Behavior, and Immunity, 41, 232–238.
Jaremka, L. M. (2013). Attachment anxiety is linked to alteration in cortisol production and cellular immunity. Psychological Science, 24(3), 272–279.
Jia Jia Liu, Y. B. (2020). Mental health considerations for children quarantined because of COVID-19. The Lancet Child & Adolescent Health, 4, 353–364.
Jianyin Qiu, B. S. (2020). A nationwide survey of psychological distress among Chinese people in the COVID-19 epidemic: Implication and policy recommendations. General Psychiatry, 33(2).
Kang, L., Li, Y., Hu, S., Chen, M., Yang, C., Yang, B. X., Wang, Y., Hu, J., Lai, J., Ma, X., Chen, J., Guan, L., Wang, G., Ma, H., & Liu, Z. (2020). The mental health of medical workers in Wuhan, China dealing with the 2019 novel coronavirus. The Lancet Psychiatry, 7(3), e14.
Keller, H. (2018). Universality claim of attachment theory: Children’s socioemotional development across cultures. Proceedings of the National Academy of Sciences.
Khodabakhsh, M. (2012). Attachment styles as predictors of empathy in nursing students. Journal of Medical Ethics and History of Medicine, 5, 322–329.
Cosic, K. (2020). Impact of human disasters and COVID-19 pandemic on mental health: Potential of digital psychiatry. Psychiatria Danubina, 32(1), 25–31.
Lu, Dong, J. B. (2020). Public mental health crisis during COVID-19 pandemic, China. Emerging Infectious Diseases, 26(7), 1–13.
Maccia, L. (2020). Affective temperament, attachment style, and the psychological impact of the COVID-19 outbreak: An early report on the Italian general population. Brain, Behavior, and Immunity, 87, 75–79.
Marshall, E. (2019). Understanding post trauma reactions within an attachment theory framework. Current Opinion in Psychology, 25, 167–171.
Pallini, S. (2014). Early child-parent attachment and peer relations: A meta-analysis of recent research. Journal of Family Psychology, 28(1), 118–123.
Pietromonaco, P. R. (2019). Adult attachment and physical health. Current Opinion in Psychology, 25, 115–120.
Pedersen, A. (2010). Influence of psychological stress on upper respiratory infection: A meta-analysis of prospective studies. Psychosomatic Medicine, 72(8), 823–832.
Psouni, E., Di Folco, S., & Zavattini, G. C. (2015). Scripted secure base knowledge and its relation to perceived social acceptance and competence in early middle childhood. Scandinavian Journal of Psychology, 56(3), 341–348.
Reiser, S. J., & Power, H. A. (2021). Examining the relationships between childhood abuse history, attachment, and health anxiety. Journal of Health Psychology, 26(7), 1085–1095.
Rholes, W., & Steven, J. A. (1999). Attachment and anger in an anxiety-provoking situation. Journal of Personality and Social Psychology, 76(6), 940–957.
Sbarra, D. A. (2019). Smartphones and close relationships: The case for an evolutionary mismatch. SAGE Journals, 14, 596–618.
Shaver, P. R. (2019). Attachment, caregiving in couple relationships, and prosocial behavior in the wider world. Current Opinion in Psychology, 25, 16–20.
Sheinbaum, T. R. (2015). Attachment style predicts affect, cognitive appraisals, and social functioning in daily life. Frontiers in Psychology, 6, 296–315.
Slade, A. (2019). Attachment and psychotherapy. Current Opinion in Psychotherapy, 25, 152–156.
Sonkin, D. et al. (2019). Associations between attachment insecurities and psychological violence. Court-Mandated Batterers, 34, 910–929.
Sutter. (1994). Le Grand Dictionnaire de Psychologie. Larousse.
Umemura, T. (2015). Reviewing Japanese concepts of Amae and le to deeper understand the relevance of secure-base behavior in the context of Japanese caregiver-child interactions. Integrative Psychological and Behavioral Science, 49(4), 714–736.
Van Gelder, N. (2020). COVID-19: Reducing the risk of infection might increase the risk of intimate partner violence. Clinical Medicine, 21, 211–254.
Virga, D. (2019). Attachment styles and employee performance: The mediating role of burnout. The Journal of Psychology, 153(4), 383–401.
Wen Yan Jiao, L. (2020). Behavioral and emotional disorders in children during the COVID-19 epidemic. The Journal of Pediatrics, 34(5), 221–264.
Wen-Rui Zhang, K. (2020). Mental health and psychosocial problems of medical health workers during the COVID-19 epidemic in China. Psychotherapy and Psychosomatics, 89(4), 242–250.
Xinyan Xie, Q. (2020). Mental health status among children in home confinement during the coronavirus disease 2019 outbreak in Hubei Province, China. JAMA Pediatrics, 174(9), 898–900.
